أحمد بن محمد ابن عربشاه

440

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

يسكن قلبي ويبرد أوامى « 1 » ، فما صدق صاحب التنور حين سمع الدعاء المذكور ، والنداء المقبول المشكور ، حتى طفر من مجثمه كالشواظ المسجور ، وأقام أمام لهوه المصاب « 2 » ، واستعمل من قواعد النحو الرفع والجر والانتصاب ، ورفع العمودين وأولجه المحراب ، ولا زال ذلك الإمام يتردد في البيت الحرام ، وقد نال في الحرم أمنا حتى رمى الجمرات وأمنى ، ثم قبل فاها وخرج مسرعا من ذراها « 3 » ، وخلى الدار تنعى من بناها ، ففتح زيد عينيه وحملق حواليه ، ثم قال : يا أقذر القحاب هكذا يكون الدعاء المستجاب . وإنما أوردت هذا الكلام والتمثيل لك يا إمام ؛ ليتبين لكل عالم همام ، وليتبصر أولو العقل والأفهام ، الفرق ما بين قضايا الحس والعقل والأوهام ، وقد شبه العقل بجبل عال عزيز المنال ، وكل من قصد الصعود إليه والارتقاء عليه ، لا يصعده إلا من طريق واحدة منها يوصل منه إلى الفائدة ، وسلوك طريق المعاشرة مع العقلاء وذوى الآراء والأذكياء ، في العداوة والصداقة والكدرة والرياقة واللطافة والكثافة ، والخوف والرجاء ، والابتداء والانتهاء ؛ إنما هو من باب متحد لا من طريق متّعد « 4 » ، ولأجل هذا يا متبصر ، سلوك مثل هذه الطريق معهم متيسر ، لا متعوج ولا متعسر ، ورأس خيط هذه السموط « 5 » ، بالاستقامة والسلاح مضبوط ، بخلاف الجهال والخلعاء والحمقى والسفهاء فإن أمورهم منفرطة وأفكارهم وآراءهم غير منضبطة ، فتتكدر خوار العقلاء في تعليمهم ، ويعيا طبيب الفكر في تهذيب أحمقهم وتأديب سفيههم ، وقيل :

--> ( 1 ) الأوام : وجع الرأس ، والمعنى : يذهب عنى وجع رأسي واضطرابها . ( 2 ) أي المرأة . ( 3 ) أي من خدرها . ( 4 ) أي متعدد . ( 5 ) السموط : المفرد السمط : أي الخيط الذي ينتظم فيه حبات اللؤلؤ والخرز .